مازالت تداعيات أزمة «فيفا» تتفاعل، رغم تراجع الاتحاد الدولي لكرة القدم عن مشروع إدخال مستثمرين خواص في الحقوق التجارية لبطولاته، إذ انتقلت المواجهة من إسقاط الصفقة التي كانت ستدر نحو 4.2 مليارات دولار إلى أزمة ثقة متصاعدة في قيادة جياني إنفانتينو، مع اتساع دائرة الاتحادات التي تسحب دعمها للرئيس الحالي وتدعو إلى مراجعة طريقة تدبير المؤسسة الكروية العالمية.
وتلقى إنفانتينو ضربة جديدة بعدما أعلنت ستة اتحادات من دول الشمال الأوروبي، هي الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد وجزر فارو، فقدانها الثقة في رئيس «فيفا»، مؤكدة أنها لا ترى فيه الشخص المناسب لقيادة المؤسسة خلال المرحلة المقبلة. وأعلنت الدنمارك استعدادها للمساهمة في البحث عن مرشح بديل خلال الانتخابات المقررة في مارس 2027.
ويأتي هذا الموقف بعد إعلان الاتحاد الدنماركي، في وقت سابق، سحب دعمه لإعادة انتخاب إنفانتينو، في مؤشر على اتساع رقعة المعارضة داخل القارة الأوروبية، بعدما كان التراجع عن المشروع الاستثماري قد وضع حدا مؤقتا للخلاف حول الصفقة، دون أن ينهي الأسئلة المتعلقة بطريقة اتخاذ القرار داخل الاتحاد الدولي.
وتقود «يويفا» جزءا أساسيا من هذه الضغوط، بعدما أكدت الاتحادات الأوروبية الـ55 أن التراجع عن مشروع «FIFA Forward Enterprise» لا يكفي لاستعادة الثقة، مطالبة بضمانات وإصلاحات في حكامة الاتحاد الدولي. كما انضمت اتحادات قارية أخرى إلى الدعوات المطالبة بمراجعة مستقلة للكيفية التي جرى بها إعداد المشروع والترويج له.
وفي مواجهة هذا الضغط، لا يزال إنفانتينو يتوفر على أوراق قوة داخل «فيفا»، أبرزها الدعم الذي يحظى به من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، الذي أعلن مساندته لرئيس الاتحاد الدولي، إلى جانب مواقف مؤيدة من عدد من الاتحادات العربية. وكان المغرب وقطر ومصر ولبنان وموريتانيا والسودان ضمن الاتحادات العربية التي أعلنت دعمها لاستقرار قيادة «فيفا».
ويكشف تباين المواقف عن معركة نفوذ بدأت تتشكل قبل انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي، المقررة في 18 مارس 2027 بمدينة الرباط، إذ لم تعد القضية مرتبطة فقط بمصير المشروع الاستثماري الذي تم التخلي عنه، وإنما بمستقبل إنفانتينو نفسه وقدرته على تأمين ولاية رابعة.
وفي المقابل، بدأت الاتحادات المعارضة تحركا للبحث عن شخصية يمكنها جمع الأصوات المناوئة للرئيس الحالي، غير أن معسكر المعارضين لم يتوصل، إلى حدود الآن، إلى مرشح معلن يحظى بإجماع قاري. وتبرز في هذا السياق أسماء وازنة، من بينها رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة ورئيس اتحاد «كونكاكاف» فيكتور مونتالياني، لكن أيا منهما لم يعلن رسميا دخوله السباق.
وتزداد الضغوط على إنفانتينو في ظل استمرار الجدل حول حكامة «فيفا»، بعدما طالت الأزمة الجهاز التنفيذي نفسه، إثر إنهاء مهام مدير العمليات كيفن لامور، الذي كان قد وجه انتقادات لطريقة إدارة المشروع الاستثماري وطالب بمزيد من الشفافية، وذلك بعد استقالة مستشار إنفانتينو كارلوس كورديرو على خلفية الخلاف نفسه.
كما عادت إلى الواجهة مسألة احتساب الولايات الرئاسية، بعدما دعت منظمة حقوقية إلى منع إنفانتينو من الترشح لولاية جديدة بدعوى تجاوزه الحد الأقصى المنصوص عليه في النظام الأساسي لـ«فيفا». ويرفض الاتحاد الدولي هذا الطرح، معتبرا أن الولاية الأولى لإنفانتينو، التي بدأت بعد استقالة جوزيف بلاتر، لا تدخل ضمن الولايات الثلاث المحتسبة.
وبينما يسعى إنفانتينو إلى ترميم تحالفاته وتأمين أكبر قدر من الدعم قبل موعد الانتخابات، يبدو أن إسقاط صفقة الـ4.2 مليارات دولار لم يكن نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة داخل «فيفا». فالمعارضة التي كانت موحدة حول رفض المشروع بدأت تنتقل إلى المطالبة بتغيير أوسع في طريقة إدارة المؤسسة، فيما سيكون اختبارها الحقيقي هو قدرتها على تحويل حالة الغضب الحالية إلى جبهة انتخابية قادرة على منافسة إنفانتينو في انتخابات الرباط.
